من يمتلك مفاتيح ترتيب البيت العراقي... الملكية أم الجمهورية ؟
03-01-2004 -- عمر عبد الكريم فرمان

تبادر الشعوب عادة التي عاشت أحداثا جسام و خاضت حروبا كارثية ، المباشرة بوقفة تأملية تحليلية فيما حصل ، و يتمثل ذلك في عملية مراجعة ذاتية للأسباب و النتائج بغرض إستنباط العبر و للحيلولة دون تكرار ما حصل من أخطاء ، و توفر في الوقت نفسه سبل ترميم الكيان الوطني تجاوزا لما المت به من صدوع نتيجة لتلك الأحداث.
يستمد المر أهمية إستثنائية كونه يمثل أيضا نقطة لإستجماع القوى و توحيدها بهدف توفير مستلزمات إنطلاقة جديدة للبلد و بناء مستقبله ن و تنطلق هكذا مراجعة بطبيعة الحال من وضع معطيات الواقع القائم ، و تأريخ البلد السياسي أمام الأبصار بحيث يتم تجاوز عثرات الماضي ، و بما يجعل من نتائج البناء الجديد مثمرة .
و إذا أسقطنا ما تقدم على (العراق) و ما شهده من أحداث عاصفة ، فسنجد أن جل الإهتمام مسلط من قبل الكثيرين على ما فعله صدام حسين أم ما لم يفعله عندما كان متوليا سدة الرئاسة و الحكم مختزلين خطأ كل تأريخ البلد في عهده ، فيما يغيب للأسف جانب جوهري في الموضوع و هو الإهتمام بمناقشة مجمل النظام السياسي نفسه ، الذي وفر له بالأساس فرصة الإستحواذ على السلطة .
حقيقة الأمر أننا أمام نظام جمهوري موروث قبلناه في حينه قبول التسليم بالأمر الواقع لإسباب يأتي في مقدمتها إستعانته بأسلوب التصفية و الإقصاء و تكميم الأفواه ، في الوقت الذي كانت شرعية النظام نفسه محل شك ، و قد أستمدت من خلال الترويج لإفكار تغلب عليها الطوباوية و الرومانسية السياسية نادى بها البعض ، واجدة مبررا لتدخل العسكر في السياسة ، مستولين بالنتيجة على السلطة و ساعين للتمسك بها عبر سلسلة من الإنقلابات و الإنقلابات المضادة ، وفقا لما يعرف بالشرعية الثورية ، فيما لم يستفتى أو يستشار أحد على قيام تلك الإنقلابات ، و لم يكن أحد من ترأسوا حريصا على إكتساب شرعية حقيقية لاحقا ، بتعبير آخر لم يستطع النظام الجمهوري في العراق خلال الفترة الممتدة (1958-2003) ، بالرغم من تعاقب أكثر من رئيس على سدة الحكم ، من إيجاد الغطاء الشرعي لقيادته السياسية للبلد ، بل على العكس ترافق ذلك بشلل واضح لكافة أشكال العملية الديمقراطية ، بما تعنيه من إجراء إنتخابات حرة ، السماح بتشكيل الأحزاب ، تطوير مؤسسات المجتمع المدني و حرية التعبير عن الرأي ، لتحل محلها قوانين الطوارئ فكان الخاسر الأكبر الوطن و المواطن .
و خلاصة تجربة الجمهورية تظهر أنها قد إفتقدت إلى القدرة على تأمين الموائمة ما بين الخصوصية القومية و التعدد الديني و الطائفي لمكونات الشعب العراقي ، بل عرضت الكيان الوطني و إستمراريته نفسها لخطر التقسيم و التفتيت .
بالمقابل قام النظام الملكي على شرعية إستمدت جذورها من الإنتماء إلى (آل البيت) الكرام ، و عززت بمواقف قومية يأتي في مقدمتها إطلاق شرارة الثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني و ما تبعها من دعوة المراجع الدينية و شيوخ العشائر و أعيان المدن في وقتها ، عبر إختيار واع إلى الشريف الحسين الكبير و مناداتهم حول ضرورة إستقدام أحد أبناءه ، و هو المغفور له فيصل الأول ليتوج ملكا على العراق عام 1921 م ، و عقبه بعد ذلك المغفور له الملك غازي الأول ، ثم المغفور له الملك فيصل الثاني ، و بالرغم من القصر النسبي للحكم الملكي الممتد للفترة (1921-1958) ، و الذي تضمن تحديات كبيرة مع موارد مالية قليلة للبلد ، إلا أن النظام إستطاع التفوق في عملية الجمع بين المستوى الذي يصلح له المجموع ، و المستوى الذي يؤمن الخصوصية القومية ، الدينية و المذهبية للمواطنين ، جاعلا من عناصر الفرقة ، عناصر قوة و وحدة في ظل حياة سياسية غنية و بمشاركة واسعة لإطياف المجتمع العراقي المختلفة ، حيث صانت فيها حقوق المواطن و كرامته .
إن القراءة الواعية لحقائق الأمور يمكن أن تخلص بنا أنه بعد غياب هذه الشرعية بفعل إنقلاب 14 تموز 1958 قد ترتب عليها دخول الكثير من الأحزاب و القوى السياسية في صراعات ذات تنائج دموية و مؤلمة ، حيث وضعت مقادير البلد بيد زمرة من المغامرين ، و إن حسنت النوايا لدى بعضهم فهي لا تحول الخطأ صوابا ، لنفقد بالنتيجة الكيثر من فرص التطور بسبب إنعدام الإستقرار السياسي ... و هذا ما يقودنا إلى طرح التساؤل التالي :
ألسنا بحاجة إلى تحديد الهدف الآن بشئ من الوضوح حول ماهية شكل نظام الحكم المطلوب في العراق الجديد ؟
الإجابة عن هكذا تساؤل يمكن بناؤها بالقول أن التجربة التأريخية من جهة ، و ما تشهده الساحة السياسية حاليا من أحداث و مواقف من جهة ثانية ، ترجحان بقوة كفة إختيار عودة الشرعية المتمثلة في (الملكية الهاشمية) كحل يوفر فرصة لإعادة ترتيب أوضاع البيت العراقي و عودة الإستقرار إليه ، من خلال تصدر قيادة تمتلك مقومات تمثيل الجميع ، و تستطيع تهيئة الأجواء للسير بسفينة العراق حتى تجتاز أعباب الموج المضطربة و النجاة من العاصفة التي تهز أركان البيت نفسه لتتجه بخطوات ثابتة في رحاب القرن الواحد و العشرين .

omaraljumali@yahoo.com New Page 2

»ابعث المقالة الى صديق «

عنوانك البريدي

عنوان المرسل اليه

  

www.iraqipages.com