14 تموز يوم وطني ولكن ليس لكل العراقيين

د- حسين ابو سعود

علمت فيما علمت وأنا أطالع الأخبار بان الحكومة العراقية قد أعادت اعتبار الرابع عشر من تموز يوما وطنيا للعراق ، وبذلك اعترفت مكونات الحكومة ولاسيما الأحزاب الإسلامية بشرعية انقلاب 14 تموز الذي ادخل البلاد في متاهات دموية ما زال الشعب يعاني من مضاعفاتها وآثارها ، وقد فرّخ ذلك الانقلاب انقلابات أخرى سطا من خلالها مجموعة من الضباط الطموحين على السلطة في الظلام وبقوة السلاح ، وعانى الشعب من مليشيات ظهرت في حينها سلطت نفسها على الرقاب تارة باسم المقاومة الشعبية وتارة باسم الحرس القومي والجيش الشعبي ، وظلت آثار ذلك الانقلاب تنخر في جسد الوطن حتى سقط برمته في أيدي الأمريكان وحلفاءهم ، والظريف ان البعض يقول بان 14 تموز هو يوم استقلال فعلي من الانجليز فكيف يستقيم الاحتفال بهذا اليوم الآن مع وجود قوات بريطانية في البلاد ؟ ، ولا شك فان هذا القرار هو تخبط جديد مثل التخبطات الأخرى المتعلقة بالعلم والشعار والاسم الرسمي للدولة ، وفيما يخص العلم العراقي فقد استقر رأي الحكومة على الإبقاء على العلم الحالي مع تغيير خط عبارة " الله اكبر " الى الخط الكوفي حتى لا يُقال انه خط يد صدام حسين ، ولم ترض هذه الخطوة الأخوة الكرد فقرروا عدم رفع هذا العلم حتى إشعار آخر ، ولهم الحق في ذلك مع ان الحكومة كان لها خيار إعادة العلم الملكي للفترة الانتقالية حتى الاتفاق على علم جديد للبلاد ، وأما الشعار فقد قيل بان الحكومة اعتمدت شعار العهد الجمهوري الاول دون ان توضح محاسن ذلك الشعار في الوقت الذي نحتاج فيه الى شعار يعكس حاجتنا الى الوئام والسلام والأمن والنماء والبناء ، فالنخلة بعطائها أفضل بكثير من نسر جارح متوثب للانقضاض على الفريسة والسنبلة مثلا خير من نجمة مشوهة تحيط بها سيف وخنجر .

وأما التسمية الرسمية للدولة فان البعض عاد الى تسمية (الجمهورية العراقية ) ولكن بعض الدوائر ما زالت تستخدم تسمية ( جمهورية العراق ) ، والصواب هو ترك هذه الأمور بما فيها تحديد اليوم الوطني لمناقشتها في البرلمان بغية التوصل الى اتفاق بشأنها من قبل ممثلي الشعب ، ويمكن ان يمر هذا العام بلا احتفالات خاصة وان البلاد تمر في مرحلة دامية وكل يوم يمضي يقتل فيه أناس أبرياء ، وان المبالغ الضخمة التي ستنفق على احتفالات اليوم الوطني ولا سيما في سفارات الدولة في الخارج يمكن صرفها على ذوي الحاجات من ضحايا الحرب .

وكانت الفترة الانتقالية هذه فرصة ذهبية لان تعاد الملكية كإدانة بأثر رجعي لجميع أنواع الانقلابات ثم يُصار الى استفتاء شعبي عام ليختار الشعب النظام الذي يناسبه ، وقد يختار الشعب النظام الجمهوري لأسباب عديدة غير خافية على المتتبع فيكون بذلك قد اختار جمهورية فعلية حقيقية باختياره المحض وليس بانقلاب عسكري يجسد أطماع مجموعة من الضباط تتنافس بعد ذلك فيما بينها فيذبح بعضهم بعضا ، وإعادة الملكية لفترة انتقالية هي بمثابة سابقة تاريخية فذة تطوى عبرها صفحة الملكية بإرادة شعبية من خلال الاستفتاء بعد نصف قرن من إسقاطها الظاهري وقتل أفراد الأسرة المالكة في أبشع مجزرة وسحل رموزها في الشوارع .

لقد ان الأوان ان تنتهي ظاهرة القتل والسحل والانقلابات ، والشعب يحتاج الى التخلص الكامل من آثار الدماء بدءا من مجزرة قصر الرحاب ومرورا بمجزرة التركمان وانتهاء بالمقابر الجماعية بل وحتى القتل اليومي المستمر الذي يحصد الأرواح حصدا ، وعراق الغد يجب ان يكون مختلفا بالكامل عن عراق الأمس ، ولا يجدر بالدولة ان تحتفل رسميا بمناسبة يراها شريحة من الشعب انها ذكرى أليمة ومأساة إنسانية ،لان في ذلك دعم للانقلاب والانقلابيين ولن تظل الحكومات القادمة في مأمن من انقلابات أخرى إذا لم يتم إدانة الانقلابات بصورة عملية وحازمة .

وفي الختام لا اخفي اعترافي بحق الفئة التي نفذت الانقلاب واستفادت منه ان تحتفل بهذه الذكرى وتغني وترقص وتطبل وتزمر ، لان ما يسمى بثورة 14 تموز قد أخرجت العراق بشعبه وأرضه وسمائه من الظلمات الى النور ومن الفقر الى الغنى ومن الجهل الى العلم ومن المرض الى الصحة ، وقد يرى أولئك بأعينهم ما لا نرى وقد نرى ما لا يرون ولله في خلقه شئون .



د- حسين ابو سعود
aabbcde@msn.com