الرد على دغدغة العواطف بدغدغة مثلها (الملكية)

د- حسين ابو سعود

لقد قام الدكتور رشيد الخيون في مقاله "الشريف علي .. السذاجة في دغدغة العواطف " والمنشور في إيلاف بدغدغة مماثلة للعواطف ، ولكنها لم تؤد الغرض المطلوب منها بالشكل المرتجى ، مع ان المعروف عن مقالاته انها جزلة وموضوعية تتسم بروح البحث والتدقيق ، على عكس مقاله الأخير الذي دغدغ فيه العواطف بدلا من مخاطبة العقول ، ومشكلة الدغدغة هي انها تثير الضحك عادة .

لقد أورد الكاتب جملة من الأسباب رآها ضــرورية لعدم العودة الى النظـام الملكي وحجـب الثقـة عن الشـريف علي وحرمانه مــن اعتلاء عرش العـراق ومن هذه الأسباب : - انه لم يسمع بالشريف علي ولا بحديث له في السياسة إلا بعد 1991 ، وانه كان بعيدا عن مجالس الحنين الى ذلك العهد ،وان صلة القرابة بالملك فيصل الثاني لا تكفي لوراثة العرش ولا يكفي الشهران من عمره ( العراقي ) واستخدام ذكرى الملك الطيب للدعاية السياسية.

ومن الأسباب ( الوجيهة ) الأخرى التي أوردها الكاتب لعدم قبول الملكية هو عمل الشريف علي في المؤتمر الوطني وكان له مكتب أنيق وببابه سكرتيرة تحجبه وحرس شخصي يقف عند الباب وله خط مباشر مع قيادة المؤتمر ،وانه كان يعترض على نشر صورة الزعيم عبد الكريم ، ولهذه الأسباب جميعا فان الشريف لا يصلح ان يكون ملكا مع ان السبب الأخير قد يصلح لان يكون سببا للخلاف السياسي وأما أناقة المكتب والسكرتيرة والحرس الشخصي فهي أسباب غير سياسية ، وماذا لو كان المكتب يفتقر الى الأناقة والسكرتيرة فهل كان الشريف يصلح عندئذ ليكون ملكا على العراق ؟ ولا ادري كيف يكون شخص واحد مخولا بتعيين وعزل الملوك ،ولا ادري لماذا لا تترك الأمور لصناديق الاقتراع حيث الماء يكذب الغطاس إذا كنا نحمل في دواخلنا رغبة صادقة نحو التحول الى الديمقراطية ، خاصة بان صناديق الاقتراع ستعيد الكثير من السياسيين الى بيوتهم ،ثم ان الملكية ليست ضد الديمقراطية وهي ليست ضد الأحزاب والعمل السياسي والطموحات والبناء ، انه مجرد نظام حكم وان الأكثرية هي المعنية بالاختيار وليس الأفراد وإذا حدث عدم اختيار الملكية وهو أمر وارد ومحتمل فلن يكون ذلك أمرا غريبا لان الأخطاء واردة في تاريخ الشعوب .

وأنا لا أريد ان اعلق على الأسباب التي أوردها الكاتب مقنعة كانت أم واهية غير اني أقول بأنه ليس من الإنصاف الاستهانة بالفترة التي أعقبت سنة 1991 والتي برز فيها الشريف علي لأنها كانت نقطة تحول رئيسية برز فيها الكثير من السياسيين المعارضين وهذه الفترة تعني الكثير في حياة العراقيين ، وليس عيبا ان يصادف نضوج الشريف معها ولو كان ظهوره قبل ذلك لقال الناس انه شاب غير مكتمل التجربة ، وان إقامة الفاتحة كل سنة لضحايا قصر الرحاب هو موقف سياسي قوي له دلالاته فضلا عن كونه موقفا إنسانيا ، وان المجئ مع الأمريكان الى العراق مع رفاق آخرين وصلوا الى الحكم لا يعني حرمة انتقاد الأمريكان وأعضاء الحكومة لأنهم ليسوا منزهين عن الخطأ ، وتوجيه الانتقاد لهم جزء من العملية الديمقراطية ولا يستدعي كل هذا الهجوم خاصة وان هناك أطراف كثيرة تنتقد الاحتلال والحكومة فلماذا يستهدف الشريف دونهم ، ولا يحق له ما يحق للآخرين ، ولا ادري كيف توصل الكاتب الى ربط إحياء ذكرى العائلة المالكة بانتقاد الاحتلال والنتيجة التي توصل إليها من خلال الربط بان ذلك الإحياء لم يكن لغرض الحزن والتأبين لان الشريف انتقد الاحتلال . وقد وقع الكاتب في تناقض غير محبب عندما قال بان ما حل بالعائلة المالكة مصاب جليل لا يغفر لفاعله ولكنه يهون اثر المصاب بقوله : ان ما هو اكبر منه ( أي المصاب ) هو إقامة مجالس الفاتحة وان العراقيين استقبلوا سقوط التاج الملكي بفرح عارم ، ولكن دون ان يمسوا جسد فيصل الثاني بسوء (واكتفوا بغرز عدد من الرصاصات في جسده حتى أردوه قتيلا لبراءته وشبابه الواعد ) ولم يتم سحله وبقر بطنه وسمل عينيه لهذه الأسباب .

ثم يقول كان الكثير من العراقيين سينادي بالملكية لو وجد فيصلا آخر ويكيل له المدح والتبجيل حاله حال كل من انتقد الملكية فمدحها من دون ان يشعر وتوحي عبارته بأنه لا يوجد في العراق شخصا كفيصل الأول و كأن أصلاب الرجال جفت وعقمت أرحام النساء ، ولا ادري كيف يكون المصاب بالعائلة المالكة جليلا لا يغفر لفاعله وهو يمتدح مرتكبي المجزرة بقول آخر له : بان الشعب استقبل سقوط التاج (الذي تم بعد المجزرة وكنتيجة لها ) بفرح عارم ، والحق ان من العراقيين من عارضوا الأسلوب الانقلابي في السطو على الحكم وعارضوا الأسلوب الدموي في الانقضاض على السلطة ، وعارضوا السحل والقتل وبقر البطون ومازالوا يعارضون ذلك ولم يبتهجوا للأحداث الدموية ويعتبرون قتلة اليوم ومفخخيهم من بقايا قتلة الأمس ، فالخط واحد والأهداف واحدة .

وقديما قيل انه لا رأي للملكيين في الشيوعية ، وأنا أقول ان معظم أعداء الملكية في عراق اليوم لا يعرفون لماذا يعادونها ومازالوا يعانون من آثار ( التوجيه المعنوي والسياسي ومناهج التربية الوطنية ) ...

د حسين ابو سعود
aabbcde@msn.com