اغلب أعداء الملكية في عراق اليوم لم يهنئوا بنعيمها

د- حسين ابو سعود

لا أجد غضاضة في القول باني قد كتبت هذا الموضوع ردا على مقالة كتبها السيد كاظم حبيب بعنوان "اغلب أنصار الملكية في عراق اليوم لم يكتووا بنارها " وقد استلهمت عنوان الرد من عنوان الكاتب كما لا يخفى ، وفي البدء أقدم احترامي وتقديري للكاتب الفاضل واستسمحه في القول باني لم أجد في مقالته شيئا يذكر يستحق الرد غير العنوان الذي يفترض فيه ان يكون مؤثرا وجزلا ، إلا انه جاء متناقضا في محتواه ، وإذا تأملناه مليا لوجدناه ضعيفا لوجوه منها :

1- لقد مرت قرابة النصف قرن على الإطاحة بالملكية وان اغلب أنصارها ممن اكتووا بنار الانقلابات والأنظمة اللاجمهورية التي تعاقبت على حكم البلاد قد فارقوا الحياة .

2- يوحي العنوان بان الملكية فرن حار ليس فيه إلا النار الذي يكوي كل من يقترب منه، وان الجمهورية هي نعيم محض استوعب أنصار الجمهورية وأعداءها على حد سواء.

3- كيف يتوقع الكاتب ان تكوي الملكية أنصارها بنارها ذلك لان نار النظام قد يحرق أعداءه فقط دون الأنصار ، وليس لأحد ان يقيس اكتواء الأنصار والأعداء بنيران الجمهورية على الملكية لأنه بعيد عن الإنصاف .

وعليه أقول بان العنوان يحتاج الى تصحيح ليكون " ليس اغلب بل جميع أنصار الملكية في عراق اليوم لم يكتووا بنارها " وهو عنوان طويل ممل لا يؤدي أي معنى .

والحق انه حتى أعداء الملكية الذين كانوا يحاربونها عيانا بيانا لم يتعرضوا الى عشر ما تعرض له المعارضون في العهود الجمهورية ( الزاهرة ) التي يدافع عنها الكاتب.

وفيما يخص الجهد الذي بذله الكاتب للتعرف على العوامل التي يجدها كاتب مثل السيد مصطفى القرة داغي أساسية وضرورية لعودة الملكية الى العراق أقول : ألا يكفي ماحدث في قصر الرحاب من مذبحة تندى لها الجبين ؟ و ألا يكفي ما حدث من سحل وقتل واعتقال وتعذيب بعد الانقلاب ؟، ألا تكفي ممارسات المقاومة الشعبية والحرس القومي والجيش الشعبي والمقابر الجماعية ، ألا يكفي جر البلاد الى مصائب وويلات حتى تم تسليمها بالكامل الى المحتلين ، ألا تكفي هذه الاسباب مجتمعة لتجعل احدنا يتمنى عودة الملكية ويعمل لها .

وقد يكون السيد قرة داغي شابا لم يعاصر العهد الملكي إلا ان ذلك لا يمنع كونه متابعا منصفا يحسن التمييز بين الصالح والطالح ، اكتوى بنار الجمهورية ، وعدم تطرقه الى سلبيات الملكية لا يعني عدم إدراكه لها ،غير انها ليست من الأهمية بمكان لقلتها مقارنة مع سلبيات العهود الجمهورية ( المظلمة) إذا أخذنا بنظر الاعتبار حداثة الدولة العراقية والأوضاع التي كانت سائدة آنذاك وخروج العالم من حرب عالمية وانهيار الدولة العثمانية ووجود الهيمنة البريطانية في حينه وغيرها من الأسباب التي لم تخلقها الملكية ، وان ما يحصده العراق اليوم من ثمار ليست من تكريس الملكية بل من تكريس الانقلابيين الذين ارادوا القفز على السلطة في الظلام باستعمال القوة دون المرور بصناديق الاقتراع .

وفيما يخص البطالة التي وجدت بشكل واسع في فترة الحكم الملكي رغم عوائد النفط أقول : متى انحسرت البطالة عن العراق حتى نلوم العهد الملكي ، ثم ان عوائد النفط في العهود الجمهورية كانت اضعاف اضعاف ما كانت عليه في العهد الملكي فلماذا لم يتم استخدامها في القضاء على الفقر والتخلف والجهل والمرض والبطالة ، وماذا شهدت مدينة الثورة التي استشهد بها الكاتب من تطور في العهود الجمهورية ونحن نسمع كل يوم بان مدينة الثورة تفتقر منذ تاسيسها الى ابسط الخدمات الاساسية .

وفيما يخص مصادرة الحق في المقارنة بين الملكية وعهد صدام حسين أقول : اليس نظام صدام هو الصورة النهائية التي وصلت اليها البلاد بعد انقلاب تموز ، وأليس هو خلاصة الفلسفات الثورية التي ظهرت في العهد الملكي وعملت على الاطاحة بالملكية بالاسلوب الثوري الدموي العنيف ( المثبت في التاريخ ) ، ولو سلمنا جدلا عدم جواز المقارنة بين الملكية وعهد صدام حسين فهل يجوز مقارنتها مع عهد عبدالكريم قاسم الذي انتهى بالاطاحة بالزعيم الاوحد على يد رفاق الامس وهل يجوز مقارنته مع العهد العارفي ، وهل يفضل الكاتب عهد عبد السلام على الملكية ؟ واما العيب الاكبر للملكية والتي يحاول الكثيرون الدخول عبره لانتقاد الملكية وكذلك فعل الكاتب ، هو الارتباط بالبريطانيين أقول : ان غالبية العرب وقفوا مع الانجليز في الحرب ضد الدولة العثمانية وكان العراق باكمله تحت الاستعمار البريطاني وان الدولة الملكية كانت الخطوة الاولى على طريق الاستقلال التام ، والوجود البريطاني في العراق كانت حقيقة واقعة مفروضة لايمكن تجاوزها الاّ ان الملك فيصل الاول كانت له تناقضات مع البريطانيين (كما يعترف الكاتب ) والملك غازي ذهب الى اكثر من ذلك كما هو معروف فكلفه حياته ، ثم اذا كانت الملكية لها علاقة بالسفارة البريطانية وهي مفروضة عليها ، ألم تكن للعهود الجمهورية السابقة علاقة بالسفارة السوفيتية ومن ثم الامريكية ، أم ان ما هو حلال على الجمهورية حرام على الملكية .

وقبل ان اختم انقل ما كتبه الكاتب نصا "" الكتابة الصحفية مسئولية كبيرة ازاء المجتمع والنفس في آن ، وهي علم وثقافة وفن أداء لتلك المهمة وتستوجب ممن يكتب موضوعا ان يتحرى جيدا لكي لا يرتكب اخطاء ""انتهى ولعله التزم بقوله السديد هذا عندما اثنى على الملكية في غير ما موضع من المقال من قبيل قوله :( الملك فيصل الاول كان الافضل في العائلة المالكة وكانت له تناقضاته مع البريطانيين ) وقوله (هذا لا يعني بان النظام الملكي كان كله شرا ودون ان ينجز شيئا ) وهذا مانقوله نحن وبناء على ماسبق أقول بان اختيار الملكية كنظام حكم ليس عودة للوراء باي حال من الاحوال وان الجمهوريات القائمة في المنطقة حاليا هي ليست سوى اشكال ممسوخة عن الملكيات .



اليـــس الـصـبـح بـقـريـــب ؟

د حسين ابو سعود
aabbcde@msn.com