|
لماذا أصرارنا على عودة الملكية ؟ قبل ما يقارب المئة عام عاش العراقيون تجربة ولادة جديدة ومحنة أثبات وجود وهوية مشابهة للتجربة وللمحنة التي يعيشها أحفادهم هذه الأيام وكان الأجداد يومها أمام مفترق طرق وتحدٍ مصيري يتعلق ببناء دولة يتكون شعبها من أديان وطوائف وقوميات مختلفة وتحيط بها الحيتان والوحوش الكاسرة من كل حدب وصوب شبيه بالتحدي وبمفترق الطرق الذي يقف أمامه أبنائهم اليوم رغم أصرار البعض على الأدعاء بأن العراقيين قد وجدوا الآن طريقهم الصحيح وأنهم سائرون فيه الى الأزدهار والسؤدد . فعند تأسيس الدولة العراقية الحديثة في بدايات القرن المنصرم ويوم كان التنافس على حكم العراق محتدماً حينها بين مجموعة من الشخصيات العراقية وغير العراقية والتي كان بعضها مرشحاً ومدعوماً من بعض دول الجوار ومراكز القوى الفاعلة آنذاك في العالم كما يحدث اليوم أجمعت النخب العراقية آنذاك وبجميع أطيافها سواء كانت الدينية أو السياسية أو الأجتماعية على تنصيب أمير عربي هاشمي من أبناء الشريف حسين مفجر الثورة العربية الكبرى ضد الأستعمار العثماني والذي كان يومها عميد الأسرة الهاشمية في عموم الجزيرة العربية ملكاً على العراق و وقع الأختيار حينها وبعد مداولات طويلة بين هذه النخب على جلالة المغفور له الملك فيصل الأول مؤسس الدولة العراقية الحديثة والذي لولاه ما كان لهذه الدولة الفتية أن ترى النور .. أن السبب الذي دفع هذه النخب لهذا الأختيار كان ورائه حرص مشبع بوطنية عارمة من قبل هذه النخب على وحدة العراق وسلامة أراضيه وشعبه وحماية له من عاديات الزمن ومؤامرات الأخوة الأعداء التي لم تتوقف منذ ذلك اليوم ولا تزال مُحاوِلة تدمير كيان هذا البلد العظيم صاحب أولى الحضارات البشرية وأقدمها على وجه الأرض . فأي سياسي يريد أن يحكم العراق يجب أن يجمع في شخصه ما يمكن أن يوحد به جميع العراقيين على أختلاف طوائفهم وقومياتهم وأديانهم وما يمكن أن يكون صمام أمان لبلد كالعراق مهيء للأنفجار في أية لحظة بسبب تركيبته الأجتماعية وموقعه الجغرافي .. وهذه الميزة لم تكن حينها موجودة سوى في أبناء هذه العائلة الكريمة بدليل أتفاق كل النخب العراقية آنذاك سنة وشيعة عرباً وأكراداً وتركمان مسلمين ومسيحيين وصابئة ويهود على تنصيب ملك من هذه العائلة وهي اليوم موجودة في شخص سمو الشريف علي بن الحسين سليل هذه العائلة الكريمة العراقي المولد والأصيل النسب والنقي السريرة والرفيع الخلق والثقافة بشهادة كل من ألتقى به وعرفه .. فعائلة سموه ممثلة بوالده الراحل الشريف حسين و والدته الأميرة بديعة أخت الأمير الراحل عبد الأله وخالة الملك المغدور فيصل الثاني والناجية الوحيدة في هذه العائلة من مجزرة قصر الرحاب بقيت رغم خروجها من العراق على صلة وثيقة بالعراقيين في المنافي ولم تنقطع عن التواصل معهم رغم ما أصابها على يد بعضهم مما يندى له جبين الأنسانية وقد ورث سموه من والديه هذه العلاقة الوثيقة بالوطن لذا كان كثير الأختلاط بالعراقيين على أختلاف مستوياتهم ومشاربهم وحاملاً على الدوام لهموم العراق وأهله.. وشخص بمثل هذه المزايا الرائعة فقط هو الذي بأمكانه أن يوحد العراقيين على كلمة واحدة وهدف واحد هو العراق وبالتالي أيقاف شلال الدم الذي يسيل في العراق منذ عقود دون توقف أو أنقطاع .. وهذا الكلام يؤكده واقع الملكية الدستورية كحركة فبين أنصارها تجد السنّي والشيعي والعربي والكردي والتركماني والليبرالي والأسلامي والعلماني ورغم أن العقيدة السياسية أو العقيدة الدينية أو الأنتماء القومي قد يفرق بين هؤلاء ألا أنهم جميعاً يتوحدون حول فكرة الملكية الدستورية وحول شخص رمزها والذي بشخصه الكريم وبطرحه للملكية الدستورية كنموذج وحل لمشكلة الحكم في العراق يبقى الضمانة الوحيدة والأكيدة لوضع حد لما عاشه ويعيشه العراقيون اليوم من مآسي وكوارث ستؤدي في حال أستمرارها الى تدمير العراق وضياعه وضياع شعبه في مهب الريح . كما أن أختيار ملك مصون غير مسؤول ذو رؤية حضارية وواقعية مع نظام ملكي بصبغة علمانية ومؤسسات ديمقراطية سينهي الجدل والتنافس الذي يحتدم اليوم على حكم العراق بين شخصيات وأحزاب عراقية سيسعى بعضها في حال توليه السلطة الى أن يصبغ العراق بصبغته الآيديولوجية التي قد تعيدنا في أية لحظة الى مربع الديكتاتورية وسيترك المجال مفتوحاً أمام هذه الأحزاب والشخصيات للتنافس على منصب رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان وسيحسم مسألة في غاية الخطورة تتعلق بمستقبل شكل نظام الحكم في العراق والتي قد يجرّنا تهميشها أو التغاضي عنها كما حدث في الأشهر الماضية وكما يحدث الآن خصوصاً مع أقتراب موعد الأنتخابات الى ما لا يحمد عقباه . لذا فأن نظام ملكي دستوري وملك مصون غير مسؤول كسمو الشريف علي بن الحسين سيشكلان الضمانة الوحيدة لبناء عراق موحد ديمقراطي دستوري مستقر ولكبح جماح أي شخص أو حزب قد يفكر أو يسعى في يوم ما للسطو على السلطة في ليلة ظلماء لأختطاف العراق وأدخاله في نفق مظلم جديد كذلك النفق المظلم الذي دخله العراق صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958 . يبدوا أن النخب العراقية في الماضي على قلّتها كانت أكثر وعياً وحكمةً من النخب العراقية في الوقت الحاضر على كثرتها علماً أن جَل نخب اليوم هم من أبناء نخب ذلك الزمان .. فلماذا يفشل ويتخبط الأبناء اليوم فيما نجح فيه وحسمه الآباء قبل مئة عام !! نشرت في أيلاف مصطفى القرة داغي mftl2004@hotmail.com |