العراق الجديد: جمهورية ام ملكية؟
د. اكرم عبدالرزاق المشهداني

تتوزع العالم اليوم، نظريتان، او طريقتان او ادارتان للحكم، هما النظام الجمهوري بمختلف اشكاله ، والنظام الملكي بمختلف انواعه، ولا شك ان لكل من الطريقين مبرراته وحسناته ومزاياه ومتطلباته، والجمهورية والملكية كلتاهما وسيلة وليست غاية، من اجل حكم وادارة شؤون البلاد والسير بها نحو برّ الامان، بما يحقق الحد المقبول من مستلزمات الدولة الحديثة: السيادة والتحرر، الامن والاستقرار، الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. وليست هناك قاعدة مؤكدة عامة توجب ان الملكية او الجمهورية هي الافضل لشعب او بلد ما، الا ما يقرره ذلك الشعب ويراه ويطمئن اليه، ويتدارك متطلبات الادارة السليمة للبلد.

النظام الاول: هو النظام الجمهوري او الانتخابي، القائم على انتخاب الرئيس انتخاباً حراً مباشراً من قبل الشعب لفترة محددة، بناءً على دستور يفترض ان يكون صادراً بارادة الشعب وموافقته. والانظمة الجمهورية في العالم على نوعين:

1- نظام الرئاسة الاعتبارية او الفخرية على غرار الانظمة الملكية الفخرية حيث الرئيس مصون غير مسؤول، ولا يتدخل في الشؤون السياسية كما في (الهند) و(اسرائيل).

2- النظام الآخر وهو الشائع: حيث الرئيس يمارس صلاحيات دستورية قانونية واسعة تختلف مدياتها ما بين بلد وآخر. وتثار اشكاليات كثيرة حول الانظمة الجمهورية مطلقة الصلاحيات خصوصاً تلك التي جاءت بمبرر (الشرعية الثورية)، اي التي جاءت على اثر انقلابات مسلحة او غير مسلحة، اذ غالباً لا يتخلى الرئيس عن موقعه بسهولة ويكيف الدستور من اجل البقاء مدى الحياة.

ان التطبيق الفعلي للانظمة الجمهورية، يكتنفه الكثير من الهفوات والمظالم، اذ ان الترشيح لانتخابات الرئاسة يتطلب مواصفات وامكانات مادية هائلة لكي يتمكن (المرشح) من الفوز بالاغلبية، وتنتاب عمليات الترشيح والانتخاب الكثير من الشكوك والانتقادات، لان الفرصة تبدو (متاحة فقط) لمن يقف خلفه حزب او جماعة تدعمه وتموّله، او تتهيأ له اسباب التمويل والموارد اللازمة لخوض غمار الانتخابات، لذلك تتلاعب اهواء الاحزاب والجماعات، مضافاً اليها ارادة سلطات السيادة الامنية والمخابراتية، والتداخلات الاجنبية من دولية واقليمية في عملية الترشيح والاختيار، وعموم آلية الانتخاب على ارض الواقع.

اما اذا اردنا التركيز على عمليات الترشيح والانتخاب الرئاسي في عموم عالمنا العربي، فهي انموذج غريب عن كل العالم، حيث التدخل الصريح للاحزاب الحاكمة وقواها المستترة والمعلنة في اجهزة القمع والامن في تسيير الانتخابات بالشكل الذي يرضي التوجهات الحزبية، وكذلك موالاة الضغوط الدولية والاقليمية، حيث تجيء النتائج تعزز الشكوك في المصداقية بفوز المرشح (الوحيد!) بـ 99% او اقل او اكثر، وصارت الجمهوريات في عالمنا العربي تقترن بالتلاعب بالدساتير وتعديلها بين ليلة وضحاها كي تلائم عملية التنصيب المطلوبة. ثم جاءتنا بدعة (التجديدات المتكررة) ثم (الانتخاب للرئاسة مدى الحياة!!) ، واخيراً ( عملية الوصاية الارثية) بين الآباء والابناء، حتى بات يطلق على الجمهوريات العربية بتسمية (الجمهوريات الملكية).

واذا كان الجمهورية REPUBLIC تعني ٌحكم الشعب لنفسه فان الواقع في العديد من جمهوريات عالم اليوم ، وخاصة في عالمنا العربي، بعيد جدا عن هذه الصفة ، فهي اقرب الى REPARTY حكم الحزب، او حكم الاجهزة المخابراتية ، او حكم الفرد، او المطيعة للضغوط الدولية والاقليمية .

النظام الاخر : هو النظام الملكي الدستوري : يقوم على ٌتوارث الملكية عبر سلالة حاكمة لها مرجعيتها وشرعيتها واعتبارها، والقبول الشعبي العام ابتداء من رضاء الشعب وقناعته على اختيار هذه السلالة لاعتبارات اما دينية عقائدية ، او للحفاظ على الاصول والاعراف الوطنية المتوارثة . وللنظام الملكي تسميات مختلفة في عالم اليوم ، ٌملكية ، امارة ، امبراطورية ، سلطنة ... الخ لكنها جميعها تقوم على اصل واحد ومبدأ واحد، والملكية تستند الى دستورية وفق دستور ٌيفترض ان الشعب قد وافق عليه، وهو يرسم الية الانتقاء ومواصفات المعين لادارة البلاد، ومثلما الانظمة الجمهورية نوعان، كذلك فان الانظمة الملكية اليوم نوعان :

1- نوع الملكية الرمزية حيث الملك مصون غير مسؤول ، اي لا يتدخل الملك في ادارة شؤون البلاد او السياسة، كما في المملكة المتحدة واسبانيا والدنمارك وغيرها .

2- اما النوع الاخر وهو الغالب اذ يقود ٌالملك السلطات الثلاث، ويدير شؤون البلاد السياسية بشكل مباشر ، وهذا هو حال معظم الانظمة الملكية العربية ان لم نقل جميعها ، والملكية المثالية هي تلك المستندة الى الشرعية والشورى عبر مجلس برلمان منتخب وفاعل.

ترى ايهما الاصلح .. النظام الجمهوري ام الملكي وخاصة في عالمنا العربي ؟ وفي العراق بالذات؟ لقد تعرضت الامة العربية خلال القرنين الاخيرين الى جملة من التطورات السياسية النوعية تمثلت ابتداء بالاستعمار بمختلف اشكاله ، ثم مرحلة التحرر من الاستعمار ، ونيل الاستقلال واختيار انظمة حكم مختلفة من قطر الى اخر ، والامة العربية تمتاز بخصوصية كونها امة ذات خصائص دينية وقومية ، تنظر نظرة اعتبار وتوقير للاصول والاعراق العربية الاصيلة ، وتقدس الاصول التي تعود الى ال بيت الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه واله وسلم ، الذين نالوا التشريف من الله تعالى في محكم كتابه العزيز، او الى اسر عريقة معروفة بنقائها وعروبتها وصلتها بالوطن او البلد الذي تحكمه ولها تاريخها المشهود، والذي يقتنع به شعب ذلك البلاد ويجعله يرضى بحكم تلك الاسرة او القبيلة او السلالة . ويمتاز هذا النوع من الحكم بجملة من المزايا ، في مقدمتها الدستورية والشرعية الشعبية ، وكذلك توفيرها لعامل الاستقرار السياسي، دون التفكير بانتخابات متتالية كل 4 او 5 او 6 او 8 سنوات ، وما تؤديه هذه الانتخابات ، بدءا من الترشيح مرورا بآلية الترشيح والممارسات المشبوهة والتدخلات الحزبية والقوى الدولية والاقليمية ، مما تجعل الانظمة الجمهورية اقل تحقيقا للاستقرار السياسي من الانظمة الملكية .

يضاف الى ذلك، السوابق التي مرت بالدول العربية منذ القرنين المنصرمين، وخاصة الانظمة الجمهورية وما يرافق عمليات الترشيح والانتخاب والتناصر الحزبي وتدخل الاجهزة المخابراتية والنتائج المشبوهة سيئة الصيت (99ر99%)، مما انعكس ذلك على الاوضاع الامنية، وضعف الصلة بين الحاكم والمحكوم نتيجة ضعف الثقة.

وقدر تعلق الامر بـ (العراق)، الذي يعاني من اوضاع امنية سيئة بسبب الاحتلال والغزو، فان الانظمة الجمهورية المتعاقبة، الفاقدة للشرعية والدستورية، كانت سببا في اتخاذ القرارات الفردية المتعسفة التي ادت الى ضياع الديمقراطية وشيوع الدكتاتورية الفردية ودكتاتورية الحزب، ولذلك تتعالى اصوات من داخل العراق وخارجه تطالب بالعودة الى (الملكية الدستورية) المنطلقة والمستندة الى (دستور) يقرره العراقيون ويكتبونه بايديهم ويصوتون عليه دون تدخل او تأثير. كما ان الاطماع الاجنبية المختلفة من دول بعيدة ودول مجاورة، ادت الى زعزعة الامن في العراق على مدى العقود الاربعة المنصرمة. كما ان الممارسات الفردية للانظمة المتعاقبة ادت الى تفتيت وضياع ثروات العراق، وانشغال العراق في نزاعات وصراعات وحروب وتدخلات وغزوات، لا موجب لها ادت الى هدر امواله وارواح ابنائه. كل تلك الممارسات وهذا التاريخ غير المشجع، تعطي دافعا ودعما للاصوات المطالبة بالعودة الى الملكية الدستورية والتي ترى ان عودة الملكية هي الحل الامثل لوضع العراق، خصوصا مع التنوع الاثني والقومي والطائفي في العراق والذي يحتاج الى شخصية مقبولة مقنعة موحدة للجميع، تستند الى الشرعية الدستورية والقبول القومي العام.

ان حل كل مشكلات العراق يكمن في (زوال الاحتلال)، وترك العراقيين يقررون مصيرهم بانفسهم، وان يحتكموا الى العقل والمنطق، ويستفيدوا مما مر بهم من تجارب قاسية ومرّة، وهم قادرون حتما على تولي شؤونهم لانهم ورثة حضارة تمتد الاف السنين، وورثة رسالة سماوية عادلة سمحاء لن يتحقق لهم الامن والعدل الا في ظلالها وبموجب نهجها ومبادئها ودستورها القائم على (الشورى) والاحتكام الى كتاب الله العزيز.

نعم، ان الملكية والجمهورية او ربما غيرهما او مزيج منهما، هي (وسائل) وليست (غايات) للسير بالبلاد نحو بر الامان، وتحقيق مستلزمات الدولة المثلى: السيادة، الامن، والرفاه الاجتماعي والاقتصادي، والاستقلال، شريطة استنادها الى المشروعية الدستورية، وكفالة حق الانتخاب لممثلي الشعب بالطرق الديمقراطية السليمة، تقريرا لمبدأ الشورى العادل.

د. اكرم عبدالرزاق المشهداني